الْحَمْدُ لِلَّهِ حَقَّ حَمْدِهِ، كَمَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ وَعَظِيمِ سُلْطَانِهِ، يَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ بِالصَّالِحَاتِ رَغْبَةً فِي مَثُوبَتِهِ وَرِضْوَانِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، فَاللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى مَنْ تَبِعَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ، قَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى:( يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) .
أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وَأَمَرَهُمْ بِالطَّاعَاتِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). فَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَالْبِرِّ وَالْقُرُبَاتِ كَانَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) . وَقَدْ وَعَدَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمَغْفِرَتِهِ، وَكَرِيمِ فَضْلِهِ، وَجَزِيلِ أَجْرِهِ، فَقَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) . وَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي رَحْمَتِهِ، وَيَرْزُقُهُمْ جَنَّتَهُ، يَتَنَعَّمُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالَ تَعَالَى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) .
وَحَرَصَ النَّبِيُّ عَلَى الاِجْتِهَادِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى خَالِقِهِ، وَكَانَ يُشَجِّعُ أَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُمْ نَافِعَةً لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، فَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَرْجَى لِلْقَبُولِ، وَأَبْقَى أَثَرًا فِي الْمُجْتَمَعِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ:( وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ). فَكَانُوا يُبَادِرُونَ إِلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَيَتَسَابِقُونَ إِلَيْهَا، وَيَجْتَهِدُونَ فِي إِتْمَامِهَا وَإِتْقَانِهَا، ثُمَّ يَرْجُونَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبُولَهَا، فَهَؤُلَاءِ يَصْدُقُ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى:(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) . لِأَنَّهُمْ يَحْرِصُونَ عَلَى ثُبُوتِ الأَجْرِ، وَقَبُولِ الْعَمَلِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَأَنْ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي عَمَلًا أَحَبَّ إليَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا. وَجَاءَ سَائِلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لِابْنِهِ: أَعْطِهِ دِينَارًا. فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكَ يَا أَبَتَاهُ. فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي سَجْدَةً وَاحِدَةً أَوْ صَدَقَةَ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ؛ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَتَدْرِي مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ اللّهُ(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) . مَا هِيَ أَسْبَابُ قَبُولِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَا عِبَادَ اللَّهِ؟ إِنَّ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ أَسْبَابًا عَدِيدَةً، مِنْهَا الدُّعَاءُ، فَيُسْتَحَبُّ لِلإِنْسَانِ أَثْنَاءَ طَاعَتِهِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْقَبُولِ، كَمَا فَعَلَ خَلِيلُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ وَوَلَدُهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ وَهُمَا يَرْفَعَانِ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَقَالَا:( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) . فَهُمَا فِي عَمَلٍ صَالِحٍ، وَهُمَا يَسْأَلانِ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا. وَمِنْ أَسْبَابِ قَبُولِ الْعَمَلِ أَنْ يَشْكُرَ الإِنْسَانُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى تَوْفِيقِهِ لِهَذَا الْخَيْرِ، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ حِينَ شَكَرُوا اللَّهَ وَاعْتَرَفُوا بِفَضْلِهِ:( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) . وَمِنْ شُكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نَشْكُرَ أَهْلَ الْفَضْلِ عَلَيْنَا، قَالَ سُبْحَانَهُ ذَاكِرًا دُعَاءَ نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ :( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) . فَنَسَبَ الْفَضْلَ لِرَبِّهِ، وَشَكَرَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ الشَّاكِرِينَ: ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) . فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِشُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، هُمُ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَيَغْفِرَ لَهُمُ الْكَثِيرَ مِنَ الزَّلَلِ، وَيَتَقَبَّلَ مِنْهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الْعَمَلِ، وهُمْ فِي جُمْلَةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ. قَالَ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ). فَإِذَا انْتَهَيْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ إِحْدَى الطَّاعَاتِ فَاسْتِغْفِرِ اللَّهَ، فَذَلِكَ أَقْرَبُ لِقَبُولِ الْعَمَلِ، وَكَثِيرًا مَا يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذِكْرِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ، فَفِي الْحَجِّ قَالَ سُبْحَانَهُ: ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ). وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ جُمْلَةً مِنَ الْعِبَادَاتِ ثُمَّ أَمَرَ بِالاِسْتِغْفَارِ، فَقَالَ: ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا. وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخْتِمَ بِالاِسْتِغْفَارِ حَيَاتَهُ الْحَافِلَةَ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) . فَاللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَالِحَاتِ أَعْمَالِنَا، وَارْزُقْنَا شُكْرَ نِعَمِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا، وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ، وَطَاعَةِ رَسُولِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الأَمِينِ ? وَطَاعَةِ مَنْ أَمَرْتَنَا بِطَاعَتِهِ، عَمَلاً بِقَوْلِكَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) ( ). نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَبِسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ: احْرِصُوا عَلَى قَبُولِ طَاعَاتِكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالشُّكْرِ وَالاِسْتِغْفَارِ، فَقَبُولُهَا دَلِيلُ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى عَنْكُمْ، فَتَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ:( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) . وَبِالْقَبُولِ تَزْدَادُ حَسَنَاتُكُمْ، وَتُكَفَّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتُكُمْ، وَتُرْفَعُ دَرَجَاتُكُمْ (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) . وَيَرْزُقُكُمُ اللَّهُ تَعَالَى السَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا، وَحُسْنَ الثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ، قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
وَمِنْ عَلَامَاتِ قَبُولِ العَمْلِ: التَّوْفِيقُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ إِحْسَانِ اللَّهِ لِمَنْ عَمِلَ الْحَسَنَةَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) . وَيَهْدِيهِ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْهُدَى وَالتُّقَى، قَالَ سُبْحَانَهُ:( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) .
فَهَلْ نَحْرِصُ عَلَى أَسْبَابِ قَبُولِ الأَعْمَالِ؛ لِنَكُونَ مِنَ الْفَائِزِينَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ وَهَلْ نُعَزِّزُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ بَنَاتِنَا وَأَبْنَائِنَا؟
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ :« مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ الأَكْرَمِينَ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَ الْوَطَنِ الأَوْفِيَاءَ، وَارْفَعْ دَرَجَاتِهِمْ فِي عِلِّيِّينَ مَعَ الأَنْبِيَاءِ، وَاجْزِ أُمَّهَاتِهِمْ وَآبَاءَهُمْ وَزَوْجَاتِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ جَمِيعًا جَزَاءَ الصَّابِرِينَ يَا سَمِيعَ الدُّعَاءِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ قُوَّاتِ التَّحَالُفِ الْعَرَبِيِّ، الَّذِينَ تَحَالَفُوا عَلَى رَدِّ الْحَقِّ إِلَى أَصْحَابِهِ، اللَّهُمَّ كُنْ مَعَهُمْ وَأَيِّدْهُمْ. اللَّهُمَّ انْشُرِ الاِسْتِقْرَارَ وَالسَّلاَمَ فِي بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَالَمِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ زِدِ الإِمَارَاتِ بَهْجَةً وَجَمَالاً، وَاكْتُبْ لِمَنْ غَرَسَ فِيهَا هَذِهِ الْخَيْرَاتِ الأَجْرَ وَالْحَسَنَاتِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ رَئِيسَ الدَّوْلَةِ، الشَّيْخ خليفة بن زايد، وَأَدِمْ عَلَيْهِ مَوْفُورَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، وَاجْعَلْهُ يَا رَبَّنَا فِي حِفْظِكَ وَعِنَايَتِكَ، وَوَفِّقِ اللَّهُمَّ نَائِبَهُ الشَّيْخ محمد بن راشد لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وأولياءَ عُهُودِهِمْ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الشَّيْخ زَايِد، وَالشَّيْخ رَاشِد، وَالشَّيْخ مَكْتُوم، وَشُيُوخَ الإِمَارَاتِ الَّذِينَ انْتَقَلُوا إِلَى رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمْ رَحْمَةً وَاسِعَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَأَفِضْ عَلَيْهِمْ مِنْ خَيْرِكَ وَرِضْوَانِكَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ دَوْلَةَ الإِمَارَاتِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا الأَمْنَ وَالأَمَانَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكرُوهُ علَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ. وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.
أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ: لَقَدْ خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الْخَلْقَ لِعِبَادَتِهِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) وَأَمَرَهُمْ بِالطَّاعَاتِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ بِفِعْلِ الْخَيْرَاتِ فَقَالَ تَعَالَى: (وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). فَمَنْ أَكْثَرَ مِنْ أَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ وَالْبِرِّ وَالْقُرُبَاتِ كَانَ مِنْ خَيْرِ النَّاسِ، قَالَ تَعَالَى:(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ) . وَقَدْ وَعَدَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِمَغْفِرَتِهِ، وَكَرِيمِ فَضْلِهِ، وَجَزِيلِ أَجْرِهِ، فَقَالَ تَبَارَكَ اسْمُهُ:( وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ) . وَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي رَحْمَتِهِ، وَيَرْزُقُهُمْ جَنَّتَهُ، يَتَنَعَّمُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ، قَالَ تَعَالَى:( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتُ النَّعِيمِ) .
وَحَرَصَ النَّبِيُّ عَلَى الاِجْتِهَادِ فِي طَاعَةِ رَبِّهِ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَى خَالِقِهِ، وَكَانَ يُشَجِّعُ أَصْحَابَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنْ تَكُونَ أَعْمَالُهُمْ نَافِعَةً لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ، فَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَأَرْجَى لِلْقَبُولِ، وَأَبْقَى أَثَرًا فِي الْمُجْتَمَعِ؛ قَالَ سُبْحَانَهُ:( وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ). فَكَانُوا يُبَادِرُونَ إِلَى الأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ، وَيَتَسَابِقُونَ إِلَيْهَا، وَيَجْتَهِدُونَ فِي إِتْمَامِهَا وَإِتْقَانِهَا، ثُمَّ يَرْجُونَ بَعْدَ ذَلِكَ قَبُولَهَا، فَهَؤُلَاءِ يَصْدُقُ فِيهِمْ قَوْلُهُ تَعَالَى:(وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ* أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ) . لِأَنَّهُمْ يَحْرِصُونَ عَلَى ثُبُوتِ الأَجْرِ، وَقَبُولِ الْعَمَلِ، قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: لَأَنْ أَكُونَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي عَمَلًا أَحَبَّ إليَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي مِلْءُ الأَرْضِ ذَهَبًا. وَجَاءَ سَائِلٌ إِلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقَالَ لِابْنِهِ: أَعْطِهِ دِينَارًا. فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ: تَقَبَّلَ اللَّهُ مِنْكَ يَا أَبَتَاهُ. فَقَالَ: لَوْ عَلِمْتُ أَنَّ اللَّهَ تَقَبَّلَ مِنِّي سَجْدَةً وَاحِدَةً أَوْ صَدَقَةَ دِرْهَمٍ وَاحِدٍ؛ كَانَ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، أَتَدْرِي مِمَّنْ يَتَقَبَّلُ اللّهُ(إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ) . مَا هِيَ أَسْبَابُ قَبُولِ الأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ يَا عِبَادَ اللَّهِ؟ إِنَّ لِقَبُولِ الأَعْمَالِ أَسْبَابًا عَدِيدَةً، مِنْهَا الدُّعَاءُ، فَيُسْتَحَبُّ لِلإِنْسَانِ أَثْنَاءَ طَاعَتِهِ أَنْ يَدْعُوَ اللَّهَ تَعَالَى بِالْقَبُولِ، كَمَا فَعَلَ خَلِيلُ اللَّهِ إِبْرَاهِيمُ وَوَلَدُهُ إِسْمَاعِيلُ عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ وَهُمَا يَرْفَعَانِ قَوَاعِدَ الْبَيْتِ الْحَرَامِ، فَقَالَا:( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) . فَهُمَا فِي عَمَلٍ صَالِحٍ، وَهُمَا يَسْأَلانِ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَتَقَبَّلَ مِنْهُمَا. وَمِنْ أَسْبَابِ قَبُولِ الْعَمَلِ أَنْ يَشْكُرَ الإِنْسَانُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى تَوْفِيقِهِ لِهَذَا الْخَيْرِ، كَمَا فَعَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ حِينَ شَكَرُوا اللَّهَ وَاعْتَرَفُوا بِفَضْلِهِ:( وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ) . وَمِنْ شُكْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْ نَشْكُرَ أَهْلَ الْفَضْلِ عَلَيْنَا، قَالَ سُبْحَانَهُ ذَاكِرًا دُعَاءَ نَبِيِّهِ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ :( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ) . فَنَسَبَ الْفَضْلَ لِرَبِّهِ، وَشَكَرَهُ عَلَى نِعَمِهِ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحَدُ الصَّالِحِينَ الشَّاكِرِينَ: ( رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ) . فَمِثْلُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِشُكْرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، هُمُ الَّذِينَ يَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا، وَيَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ، فَيَغْفِرَ لَهُمُ الْكَثِيرَ مِنَ الزَّلَلِ، وَيَتَقَبَّلَ مِنْهُمُ الْيَسِيرَ مِنَ الْعَمَلِ، وهُمْ فِي جُمْلَةِ أَصْحَابِ الْجَنَّةِ. قَالَ سُبْحَانَهُ عَنْهُمْ: ( أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ). فَإِذَا انْتَهَيْتَ يَا عَبْدَ اللَّهِ مِنْ إِحْدَى الطَّاعَاتِ فَاسْتِغْفِرِ اللَّهَ، فَذَلِكَ أَقْرَبُ لِقَبُولِ الْعَمَلِ، وَكَثِيرًا مَا يَأْمُرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِذِكْرِهِ وَاسْتِغْفَارِهِ بَعْدَ قَضَاءِ الْعِبَادَاتِ، فَفِي الْحَجِّ قَالَ سُبْحَانَهُ: ( ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ). وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ جُمْلَةً مِنَ الْعِبَادَاتِ ثُمَّ أَمَرَ بِالاِسْتِغْفَارِ، فَقَالَ: ( فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) . وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا انْصَرَفَ مِنْ صَلَاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثَلاثًا. وَأَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يَخْتِمَ بِالاِسْتِغْفَارِ حَيَاتَهُ الْحَافِلَةَ بِالأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ:( إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ* وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا* فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا) . فَاللَّهُمَّ تَقَبَّلْ صَالِحَاتِ أَعْمَالِنَا، وَارْزُقْنَا شُكْرَ نِعَمِكَ، وَاغْفِرْ لَنَا، وَوَفِّقْنَا لِطَاعَتِكَ أَجْمَعِينَ، وَطَاعَةِ رَسُولِكَ سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ الأَمِينِ ? وَطَاعَةِ مَنْ أَمَرْتَنَا بِطَاعَتِهِ، عَمَلاً بِقَوْلِكَ: ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ) ( ). نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاكُمْ بِالْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، وَبِسُنَّةِ نَبِيِّهِ الْكَرِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللَّهَ لِي وَلَكُمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْخُطْبَةُ الثَّانِيَةُ
الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أنَّ سَيِّدَنَا وَنَبِيَّنَا مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ أَجْمَعِينَ، وَعَلَى التَّابِعِينَ لَهُمْ بِإِحْسَانٍ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ. أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ عِبَادَ اللَّهِ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ.
أَيُّهَا الْمُصَلُّونَ: احْرِصُوا عَلَى قَبُولِ طَاعَاتِكُمْ بِالدُّعَاءِ وَالشُّكْرِ وَالاِسْتِغْفَارِ، فَقَبُولُهَا دَلِيلُ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى عَنْكُمْ، فَتَكُونُوا مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمْ:( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ) . وَبِالْقَبُولِ تَزْدَادُ حَسَنَاتُكُمْ، وَتُكَفَّرُ عَنْكُمْ سَيِّئَاتُكُمْ، وَتُرْفَعُ دَرَجَاتُكُمْ (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا) . وَيَرْزُقُكُمُ اللَّهُ تَعَالَى السَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا، وَحُسْنَ الثَّوَابِ فِي الآخِرَةِ، قَالَ جَلَّ شَأْنُهُ:( مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) .
وَمِنْ عَلَامَاتِ قَبُولِ العَمْلِ: التَّوْفِيقُ لِعَمَلٍ صَالِحٍ بَعْدَهُ، وَذَلِكَ مِنْ زِيَادَةِ إِحْسَانِ اللَّهِ لِمَنْ عَمِلَ الْحَسَنَةَ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ( وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا) . وَيَهْدِيهِ رَبُّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى إِلَى أَعْمَالِ الْبِرِّ وَالْهُدَى وَالتُّقَى، قَالَ سُبْحَانَهُ:( وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى) .
فَهَلْ نَحْرِصُ عَلَى أَسْبَابِ قَبُولِ الأَعْمَالِ؛ لِنَكُونَ مِنَ الْفَائِزِينَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ؟ وَهَلْ نُعَزِّزُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ بَنَاتِنَا وَأَبْنَائِنَا؟
هَذَا وَصَلُّوا وَسَلِّمُوا عَلَى مَنْ أُمِرْتُمْ بِالصَّلاَةِ وَالسَّلاَمِ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلاَئِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا). وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ :« مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلاَةً صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا». اللَّهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ وَبَارِكْ عَلَى سَيِّدِنَا وَنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَارْضَ اللَّهُمَّ عَنِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ: أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، وَعَنْ سَائِرِ الصَّحَابَةِ الأَكْرَمِينَ. اللَّهُمَّ ارْحَمْ شُهَدَاءَ الْوَطَنِ الأَوْفِيَاءَ، وَارْفَعْ دَرَجَاتِهِمْ فِي عِلِّيِّينَ مَعَ الأَنْبِيَاءِ، وَاجْزِ أُمَّهَاتِهِمْ وَآبَاءَهُمْ وَزَوْجَاتِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ جَمِيعًا جَزَاءَ الصَّابِرِينَ يَا سَمِيعَ الدُّعَاءِ. اللَّهُمَّ انْصُرْ قُوَّاتِ التَّحَالُفِ الْعَرَبِيِّ، الَّذِينَ تَحَالَفُوا عَلَى رَدِّ الْحَقِّ إِلَى أَصْحَابِهِ، اللَّهُمَّ كُنْ مَعَهُمْ وَأَيِّدْهُمْ. اللَّهُمَّ انْشُرِ الاِسْتِقْرَارَ وَالسَّلاَمَ فِي بُلْدَانِ الْمُسْلِمِينَ وَالْعَالَمِ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ زِدِ الإِمَارَاتِ بَهْجَةً وَجَمَالاً، وَاكْتُبْ لِمَنْ غَرَسَ فِيهَا هَذِهِ الْخَيْرَاتِ الأَجْرَ وَالْحَسَنَاتِ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ. اللَّهُمَّ وَفِّقْ رَئِيسَ الدَّوْلَةِ، الشَّيْخ خليفة بن زايد، وَأَدِمْ عَلَيْهِ مَوْفُورَ الصِّحَّةِ وَالْعَافِيَةِ، وَاجْعَلْهُ يَا رَبَّنَا فِي حِفْظِكَ وَعِنَايَتِكَ، وَوَفِّقِ اللَّهُمَّ نَائِبَهُ الشَّيْخ محمد بن راشد لِمَا تُحِبُّهُ وَتَرْضَاهُ، وَأَيِّدْ إِخْوَانَهُ حُكَّامَ الإِمَارَاتِ وأولياءَ عُهُودِهِمْ أَجْمَعِينَ. اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ الأَحْيَاءِ مِنْهُمْ وَالأَمْوَاتِ، اللَّهُمَّ ارْحَمِ الشَّيْخ زَايِد، وَالشَّيْخ رَاشِد، وَالشَّيْخ مَكْتُوم، وَشُيُوخَ الإِمَارَاتِ الَّذِينَ انْتَقَلُوا إِلَى رَحْمَتِكَ، اللَّهُمَّ ارْحَمْهُمْ رَحْمَةً وَاسِعَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَأَفِضْ عَلَيْهِمْ مِنْ خَيْرِكَ وَرِضْوَانِكَ. اللَّهُمَّ احْفَظْ دَوْلَةَ الإِمَارَاتِ مِنَ الْفِتَنِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَأَدِمْ عَلَيْهَا الأَمْنَ وَالأَمَانَ يَا رَبَّ الْعَالَمِينَ. اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَلاَ تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأَنْبِتْ لَنَا مِنْ بَرَكَاتِ الأَرْضِ. اذْكُرُوا اللَّهَ الْعَظِيمَ يَذْكُرْكُمْ، وَاشْكرُوهُ علَى نِعَمِهِ يَزِدْكُمْ. وَأَقِمِ الصَّلاَةَ.

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق